عبد السلام محمد هارون ( اعداد )

56

نوادر المخطوطات

في سنة 94 فأجاب ثم امتنع ، وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة في صناديق . وطار ذكره في الآفاق ، وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة ، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية ، وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة ، وأرسلوا إليه من أغنام فزان وهي عجيبة الحلقة عظيمة الجثة ، يشبه رأسها رأس العجل ، وأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد فوقع لهم موقعا ، وكذلك أرسلوا إليه من طيور الببغا والجواري والعبيد والطواشية ، فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها ، ويأتيه في مقابلتها أضعافها . وأتاه من طرائف الهند وصنعاء واليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة ، وماء الكادى ، والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال ، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد . وربما اعتقدوا فيه ( القطبانية العظمى ) حتى إن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجا ولم يزره ولم يصله بشئ لا يكون حجه كاملا ، فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده ، وحفظ ذلك أو كتبه ، ويستخبر هذا عن ذاك بلطف ورقة ، فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده فيقول له : فلان من بلدة كذا . فلا يخلو إما أن يكون عرفه من غيره سابقا ، أو عرف جاره أو قريبه ، فيقول له : فلان طيب ؟ فيقول : نعم سيدي . ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ، ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها ، فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح . فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب ، وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئا إما موزونات فضة أو تمرا أو شمعا ، على قدر فقره وغناه وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ويلتمسون منه الأجوبة ، فمن ظفر منهم بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة ، وحفظها معه كالتميمة ، ويرى أنه قد قبل حجه وإلا فقد باء بالخيبة والندامة ، وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده ، ودامت حسرته إلى يوم ميعاده . وقس على ذلك ما لم يقل . وشرع في شرح ( إحياء العلوم ) للغزالي ، وبيض منه أجزاء وأرسل منها إلى الروم والشام والغرب ليشتهر مثل شرح القاموس ويرغب في طلبه واستنساخه .